فخر الدين الرازي

64

تفسير الرازي

خطب الناس فقال وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها ، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع ، وإن هاج له الطمع أهلكه الحرص ، وإن أهلكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط ، وإن ناله الخوف شغله الحزن وإن أصابته المصيبة قتله الجزع ، وإن وجد مالاً أطغاه الغنى ، وإن عضته فاقة شغله البلاء ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف ، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد وأقول : هذا الفصل في غاية الجلالة والشرف ، وهو كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر ، لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب ، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها ، وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر ، وذكر الشيخ الغزالي رحمه الله في كتاب " الأحياء " فصلاً في تقرير مذهب الجبر . ثم قال فإن قيل : إني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت ، وإن شئت الترك تركت ، فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري ثم قال : وهب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول : وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئته ، وإن شئت أن لا تشاء لم تشأه ، ما أظنك أن تقول ذلك ، وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له : بل شئت أو لم تشأ فإنك تشاء ذلك الشيء ، وإذا شئته فشئت أو لم تشأ فعلته ، فلا مشيئتك به ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك فالإنسان مضطر في صورة مختار . المسألة الثانية : احتج العلماء بقوله تعالى : * ( لهم قلوب لا يفقهون بها ) * على أن محل العلم هو القلب ، لأنه تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم ، وهذا إنما يصح لو كان محل الفهم والفقه هو القلب والله أعلم . أما قوله : * ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) * فتقريره أن الإنسان وسائر الحيوانات متشاركة في قوى الطبيعة الغاذية والنامية والمولدة ، ومتشاركة أيضاً في منافع الحواس الخمس الباطنة والظاهرة وفي أحوال التخيل والتفكر والتذكر ، وإنما حصل الامتياز بين الإنسان وبين سائر الحيوانات في القوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به : فلما أعرض الكفار عن اعتبار أحوال العقل والفكر ومعرفة الحق والعمل بالخير كانوا كالأنعام . ثم قال : * ( بل هم أضل ) * لأن الحيوانات لا قدرة لها على تحصيل هذه الفضائل ، والإنسان أعطي القدرة على تحصيلها ، ومن أعرض عن اكتساب الفضائل العظيمة مع القدرة على تحصيلها كان أخص حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها . فلهذا السبب قال تعالى : * ( بل هم أضل ) * وقال حكيم الشعراء :